ابراهيم بن محمد البيهقي
422
المحاسن والمساوئ
من بلد يقال له المصيصة « 1 » من أبناء الغزاة والمرابطين في سبيل اللّه من أبناء الركّاضة وحرسة الإسلام ، غزوت مع والدي أربع عشرة غزوة سبعا في البحر وسبعا في البرّ ، وغزوت مع الأرمني ، قولوا رحم اللّه أبا الحسن ، ومع عمر بن عبيد اللّه ، قولوا رحم اللّه أبا حفص ، وغزوت مع البطّال بن الحسين والرنرداق « 2 » بن مدرك وحمدان بن أبي قطيفة ، وآخر من غزوت معه يا زمان الخادم ، ودخلت قسطنطينيّة وصلّيت في مسجد مسلمة بن عبد الملك ، من سمع باسمي فقد سمع ومن لم يسمع فأنا أعرّفه نفسي ، أنا ابن الغزيّل بن الركان المصّيصي المعروف المشهور في جميع الثغور والضارب بالسيف والطاعن بالرمح ، سدّ من أسداد الإسلام نازل الملك على باب طرسوس فقتل الذراريّ وسبى النساء ، وأخذ لنا ابنان وحملا إلى بلاد الروم فخرجت هاربا على وجهي ومعي كتب من التجّار فقطع عليّ وقد استجرت باللّه ثمّ بكم فإن رأيتم أن تردّوا ركنا من أركان الإسلام إلى وطنه وبلده ! فو اللّه ما أتممت الكلام حتى انهالت عليّ الدراهم من كلّ جانب وانصرفت ومعي أكثر من مائة درهم . فوثب إليه الشابّ وقبّل رأسه وقال : أنت واللّه معلّم الخير فجزاك اللّه عن إخوانك خيرا . أصناف المكدين وأفعالهم منهم المكّيّ وهو الذي يأتيك وعليه سراويل واسع دبيقيّ أو نرسيّ وفيه تكّة أرمنيّة قد شدّها إلى عنقه فيأتي المسجد فيقول : أنا من مدينة مصر ابن فلان التاجر وجّهني أبي إلى مرو في تجارة ومعي متاع بعشرة آلاف درهم فقطع عليّ الطريق وتركت على هذه الحال ولست أحسن صناعة ولا معي بضاعة وأنا ابن نعمة وقد بقيت ابن حاجة . ومنهم السّحريّ الذي يبكّر إلى المساجد من قبل أن يؤذّن المؤذّن . والشجوي الذي كان يؤثّر في يده اليمنى ورجليه حتى يري الناس أنّه كان مقيّدا مغلولا ويأخذ بيده تكّة فينسجها يوهّمك أنّه من الخلديّة وقد حبس في المطبق خمسين سنة . ومنهم الذرارحيّ الذي يأخذ الذراريح فيشدّها في موضع من جسده من أوّل الليل ويبيت عليه ليلته حتى يتيقّظ فيخرج بالغداة عريانا وقد تنفّط ذلك الموضع وصار فيه القيح الأصفر ويصبّ على ظهره قليل رماد فيوهّم الناس أنّه محترق . ومنهم الحاجور وهو الذي يأخذ الحلقوم مع الرئة فيدخل الحلقوم في دبره ويشرّح الرئة على فخذه تشريحا رقيقا ويذرّ عليه دم الأخوين . ومنهم الخاقاني الذي يحتال في وجهه حتى يجعله مثل وجه خاقان
--> ( 1 ) المصيصة : مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم . ( 2 ) هكذا في الأصل .